الشيخ علي المشكيني

22

دروس في الأخلاق

الفاجرة التي تلوم نفسها في الدنيا على ما لم تنل إليها من الأموال والشهوات ، أو تلومها يوم القيامة على كفرها ونفاقها وعصيانها وطغيانها وأنّى لها الذكرى ، وعلى هذا فكلمة « لا » نافية لا زائدة . ثمّ إنّ اتّصاف النفس بصفة اللوّامة لا يكون إلّابعد أن تهذّب وتربّى بآداب الدين ، وتزكّى وتطهّر بتعاليم الشريعة حتّى تتعوّد على الأعمال الصالحة ، ويكون ذلك لها ملكة راسخة . فالصفة مَرتبة كمال خاصٍّ تعرضها بالجهاد والرياضة وتحمّل مشاقّ الطاعة والعبادة ، ولها مراتب اخر في رقاها وتكاملها ، ككونها مطمئنّةً وقدسيّةً ، وهكذا . ثمّ إنّ في ذكر النّفس اللوّامة بعد القَسَم بيوم القيامة إشارة إلى التشابه بين لؤم الإنسان نفسه في الدنيا ومحاسبة اللَّه إيّاها في القيامة ؛ فإنّ اللؤم في الباطن لا يجري فيه إخفاء ذنبٍ وإذهاب حقٍّ وعذر في الأمر وكذب في القضاء ، فهو واقع في باطن اللائم بأعدل طريقٍ بعين اللَّه تعالى وعلمه وإن لم يعلمه أحد ، والمحاسبة في القيامة كذلك ، فتُبلى فيها السرائر ، فلا يتيسّر لأحدٍ العذر والإخفاء والستر ، ونعوذ باللَّه من سوء الحساب يوم التغابن والتناد ، ومن الفضيحة على رؤوس الأشهاد . وقال تعالى : « قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا » « 1 » . الشاكلة : اسم فاعل من شكل الشيء . وشكّله : إذا قيّده . يقال : شكلت الدابّة ، أي قيّدتها . والمراد بها هنا : الطبيعة ، والسجيّة ؛ لأنّها تقيّد الإنسان بالعمل على طبق ميلها ، والجَري على وفق هواها ، وتمنعه عن الانحراف عنه إلى غيره . فمفاد الآية الشريفة : أنّ الأعمال الصادرة من الإنسان مبناها الطبائع والسجايا ، فهي تصدر عن اقتضائها وهواها ، ودعوته إلى مناها ؛ فإنّ بين المَلَكات والصفات النّفسيّة وبين الأعمال الخارجيّة رابطة خاصّة يحكم بها العقل والتجربة ، فإنّ الصادر في الحرب - مثلًا - من الشجاع مناضلة الأبطال ، ومن الجبان الفرار عن القتال ، وكلّ يحكي عن مَلَكةٍ خاصّةٍ . وكذا الفعل الصادر من السَّخيّ والصادر من البخيل ، والعِشرة الصادرة من المتواضع والصادرة من المتكبّر ، ونحوها . فالشاكلة هي النفس الإنسانيّة المتّصفة بصفاتٍ ، وهي التي يصدر منها الفعل بعزم

--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 84 .